• ×

"الإسلام ديننا.. أوروبا وطننا"

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بقلم : عبد العزيز قاسم
وَجمتُ، واستعدتُ الجملة ثانية من الدكتور حسان علي موسى، نائب رئيس مجلس الإفتاء في السويد، الذي أعادها بصوت عال، مصوّبا نظره تماما إليّ، وكرّرها وهو يضغط على الأحرف، إمعانا في التأكيد: "الإسلام ديننا.. أوروبا وطننا"، وأشحتُ عنه محلّقا بخيالاتي وأنا أردّد جملته الصادمة لشرقي مثلي، وقد تيقنتُ أنّ الرجل لم يقل ذلك أمام جمهرة من الأئمة والدعاة والناشطين في الغرب، الذين توافدوا إلى مكة هذه الأيام لحضور الندوة الدولية "الجاليات الاسلامية في البلدان غير الإسلامية.. الحقوق والواجبات" التي ترعاها رابطة العالم الإسلامي؛ إلا وهو واعٍ لما يقول.
كنت حريصا على حضور جلسات الندوة لأقترب من فكر ورؤي قياديي المراكز الاسلامية في الغرب، والحقيقة أنني وجدت بونا شاسعا جدا بين فكر اعلامي مثلي يعيش بعيدا عنهم في الشرق، وبين همومهم وما يفكرون به، بل وما يواجهونه من تحديات، وتمنيت في هذه الندوة حضور بعض علمائنا ودعاتنا وطلبة علم شرعيين كانوا على تواصل معي، محتجين قبل أسابيع على قضية "الحجاب" وما صرّح به معالي أمين عام الرابطة وقتها، وكنت أردّ عليهم بأن معاليه لم يأت بذلك التصريح من عندياته، بل كانت توصية من مؤتمر عالمي كبير، في حضور أكثر من مائة عالم من مختلف أنحاء العالم، أقرّوا فيه ضرورة انخراط المسلم المقيم في البلاد غير الاسلامية بقوانين تلك البلاد، وأن بعض الواجبات الشرعية تسقط إن لم تك ثمة استطاعة، أو هي مخالفة لقوانين البلاد التي يقطنون، أو عليه العودة لبلاد إسلامية.
تمنيت حضور سادتي العلماء وطلبة العلم هؤلاء كي يستمعوا مباشرة من قادة العمل الاسلامي في الغرب، وليرصدوا بدقة ما يواجهه المسلم هناك اليوم، لأن من يستمع لهموم أحبتنا وإخوتنا هؤلاء وما يتحاورون؛ ليذهل مما يعيشونه من قلق بسبب التطرف والمتطرفين، والرعب الذي يتلبّسهم من الارهاب الذي يضرب مدن الغرب، لأنهم من يتحمل تبعاته أمام ساسة ومجتمع الغرب، بل أكثر من ذلك؛ تلك الصورة النمطية للمسلم والدين الاسلامي التي تشوّهت لحدّ بعيد بفعل من ينتسبون زورا للإسلام.
أحد المشاركين في الندوة قال بحرقة: كيف بالله تلومون الحكومات الغربية والمجتمع الغربي أن يقف ضدنا وديننا، عندما يظهر في قناة ال "بي بي سي" البريطانية، رجل مسلم بيد حديدية، يلّوح بها في البرنامج مهدّدا الغرب بأن الاسلام آت إليهم، وسيجتثهم، وأنهم موعودون بذلك؟. ووقتما تسأله المذيعة: إذن لماذا تعيشُ في بريطانيا؟، يجيبها: بلادكم بالنسبة لنا نحن المسلمين، كدورات المياه –أعزكم الله- نقضي فيها حاجتنا ونرحل.
هذا النموذج الشائه المنحرف نسخة مصغرة لأدبيات أشد تطرفا تشيع اليوم بين أجيال الشباب في الغرب، وللأسف هي ترتد سلبا على سائر المسلمين المسالمين هناك، لذلك كانت المطالبة الملحة من هؤلاء المنتدين بصياغة فقه عصري يبحث أحوالهم، لأن معظم الفقه الموجود في أمهات الكتب، كانت في أزمنة فتوحات أو حروب، اضطروا فيه للتقسيم بين بلاد الكفر وبلاد الإسلام، ودار حرب ودار أمان، وأن حوالى 350 مليون مسلم يعيشون اليوم في بلاد غير إسلامية، ومن الأهمية بمكان أن تكون ثمة نقلة نوعية لفقه المواطنة في الغرب، يتناسب مع الواقع الجديد الذي لم يك موجودا في أزمنة غبرت، وأن مفردات هذا الفقه يبحث عن العيش المشترك الايجابي والبنائي والسعيد مع الغرب.
أضم صوتي لكل أولئك المنتدين الذين طالبوا رابطة العالم الاسلامي بتبني واشاعة الخطاب المعتدل، وفرز فقه جديد للمواطنين بالغرب، بل أكثر من ذلك، بما طالب به المنتدون: تنظيم الاسلام في أوروبا، فهم بحاجة ماسة لمظلة وصوت معتدل يحظى بالشرعية والخصوصية، وهذه مهمة -لعمرو الله- تحتاج عزائم وهمم، أحسب أن الرابطة في توجهها الجديد لقادرة عليها.
"الإسلام ديننا.. أوروبا وطننا" ستتكرر في أصقاع عدة من هذه المعمورة، تختلف ثقافتها وأنماط معيشتها عنا تماما، والقياس هنا يسقط، والحاجة تشتد لفقه يراعيهم.

 0  0  71
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

بواسطة : التحرير

بقلم المهندس جمال عبدالله الهندي المستشار...


قصتي مع طبيبة تبكي من مزاجية بقلم: عبدالعزيز...


بقلم د .وفاء عبدالعزيز محضر مستشار واستاذ...


بقلم : عفاف عمر باناعمه إحياء لذكرى جهود...


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 05:53 صباحًا الأربعاء 18 أكتوبر 2017.