• ×

المرأة ..أنظمةٌ آن أوان تحديثها

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
قصتي مع طبيبة تبكي من مزاجية
بقلم: عبدالعزيز قاسم
لا أفهم، كيف تحجب عن التصويت والترشح نساءٌ عالمات كحياة سندي، وأكاديميات رفيعات كعزيزة المانع ونورة العدوان، وأخواتنا المتخصصات اللواتي حُزن أرفع الشهادات العملية يملأن جامعات المملكة؛ ويعطى في مقابلهن حقّ التصويت والترشح لرجل عامي كبير، خارج الزمن والتاريخ، ولا يفقه أيا من الأمور الحياتية. أشعر بأن ثمة خطأ، يجب على علمائنا الشرعيين إعادة النظر فيه".
السطور أعلاه جزء من مقالة قديمة كتبتها قبل أكثر من ثلاثة عشر عاما في ملحق "الرسالة"، وأعدت فكرتها مرارا في صحيفة "الوطن"، حتى استجاب مليكنا الحبيب عبدالله بن عبدالعزيز -يرحمه الله- لكل النداءات التي طالبتْ بإعطاء المرأة السعودية حقّ الترشح والانتخاب، وقال في سبتمبر عام 2011م،*في خطاب متلفز: "يحق للمرأة أن ترشح نفسها لعضوية المجالس البلدية من الدورة القادمة، ولها الحقّ في المشاركة في ترشيح المرشحين وفق ضوابط الشرع".
لحظة كتابة هذه السطور، أنهيت مكالمة مع إحدى الأخوات الفاضلات جمعني بها قروب "واتس آب"، وكانت تبكي بحرقة شديدة آلمتني، إذ توسمت هذه الأخت التي تعمل طبيبة وهي بعمر السابعة والأربعين، مطلقة وليس لها أبناء؛ في أن أساعدها في مشكلة لها كأداء، تتمثل بعدم استطاعتها السفر إلا بتصريح من المحكمة. أختنا هاتفتني قبل خمسة أشهر بمشكلتها، ولم أُبق قاضيا من معارفي -مذ ذاك- إلا واستعنت به لحل معضلتها، فهي تقول بأن لديها دورات علمية خارج المملكة، وتذهب زميلاتها في العمل، بينما هي لا تستطيع، لأن أبويها متوفيان، ولديها إخوة غير أشقاء، وأخوها الولي عليها يبتزها، ويطلب جُعلا ماليا كي يوافق على سفرها في كل مرة، وأرهقها ذلك جدا، حتى تقاطعا بسبب ذلك.
عندما ذهبت أختنا هذه للجوازات مع خالها الكبير رفضوا إلا بورقة من المحكمة، ورفضوا توصية خالها، وباتت المسكينة رهينة مزاج القاضي في قناعته بذهابها، وتقول: "لك أن تتخيل وضعي، وأنا أدرج في ردهات المحاكم لآخذ ورقة مؤقتة لسفرة واحدة فقط، وأبذل من وجهي وحيائي ووقتي الكثير".
دخلت في جدال مع معارفي القضاة الذين استعنت بهم لإيجاد حل لها، وكنت أردد: "يا جماعة الخير، امرأة في ال47 من عمرها، ومتخصصة وعلى درجة علمية عالية، أخوها الولي دونها بكثير، علما وتربية وخلقا، ثم لا تستطيع السفر إلا بإذنه. ثمة مشكل هنا لا بد من حله". كانوا يجيبونني: "المشكلة إدارية وليست شرعية، ليس لدينا قانون يتيح لنا السماح لها بالسفر بشكل دائم، ولو فعلنا، واشتكى الولي علينا؛ لبتنا في مشكلة عميقة مع مراجعنا".
المرأة تشتكي بأنها عندما تذهب للجوازات يقولون لها: "يحقّ لك السفر وليس هناك أي مانع، ولكن لا نستطيع أن ندعك تسافرين إلا بورقة من القاضي، وعندما تذهب للقضاة يقولون لها هو قرار إداري وليس شرعي، فالولي للزواج"، وتبكي لي بحرقة وتقول بأنني أدور في حلقة مفرغة، فيما ذهبت أزهى مراحل عمري حبيسة مزاج قاض وابتزار أخ غير مسؤول.
بعض الذين شاورَتهم قالوا لها بأن تستعين بمحام بارع، يستطيع أن يحل لها موضوعها الشائك، وأخذت أختنا بنصيحتهم وذهبت لمكاتب المحامين؛ فوجئت بالأكلاف المادية الباهضة، فكانت تصرخ في أذني عبر الجوال وهي تبكي: "هذا حقٌّ من حقوقي، كيف أُمنع وأنا بهذا العمر وهذه المكانة العلمية، لست مراهقة صغيرة، ولست حتى بسنّ العشرين ليخافوا عليّ؟!".
بعض أصدقائي القضاة حكوا لي قصصا عديدة عن معاناة أسر بكاملها بسبب حكاية الولي هذه، هانت قصة أختنا الطبيبة ودموعها أمام هول ما أسمع، ففي إحدى تلكم القضايا، أختٌ مبتعثة في الولايات المتحدة قبل موت أبيها، وأختها الأخرى عادت وحُجزت في السعودية، والأم لا تستطيع السفر لأنها أقل من خمسين عاما، لأن الولي هو أخ غير شقيق، وهم على هذا الحال من سنوات طويلة.
المناداة بتطوير وتحديث أنظمة الدولة حيال المرأة ووضعها؛ هي خطوةٌ لا بد منها اليوم في عهد مليكنا الحازم، وهذه المناداة ليست مواكبة لما هو حاصل اليوم، ولكنها مطالبات لي مذ انخرطت في الكتابة بالشأن العام من قبل ربع قرن، وإذ سجل التأريخ لمليكنا المحبوب عبدالله بن عبدالعزيز يرحمه الله*تعيين 30 سيدة بمجلس الشورى في قراره المدوي ذاك في يناير 2013م، وسجل اليوم لمليك الحزم سلمان بن عبدالعزيز قراره بالسماح للمرأة بقيادة السيارة؛ لأتوسم بإعادة النظر في كثير من الأنظمة المتعلقة بالمرأة التي مضت عليها عقود طويلة، وقد تغيرت الظروف، وتقدمت وتمدّنت الدولة، وتطوّرت المرأة وتعلّمت، وباتت عنصرا مهما وفاعلا في التنمية، تحتاج فيه السفر والحركة.
المرأة التي أتكلم عنها يا أحبة؛ هي الأم والأخت والابنة، وعندما كنا نقول بأنها درة مصونة، فيجب ألا ندعها تعاني من أنظمة عتيقة تجاوزها الزمن، ومن الضروري المبادرة لحفظ حقوقها الكثيرة، الشرعية منها والمدنية، والتغيير المجتمعي اليوم يدهمنا، فلسنا بمعزل عن العالم مهما حاولنا التترس والمقاومة.
نحن إزاء سعودية حديثة وشابة، ومن المهم أن تتساوق كل الأنظمة وتتغير، بما يجعلنا ننخرط في عالم اليوم كدولة مساهمة وفاعلة في الحضارة البشرية، لا الصورة التي أخذت عنا في السابق.
azizkasem1400@gmail.cim

 0  0  38
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

بواسطة : التحرير

بقلم المهندس جمال عبدالله الهندي المستشار...


بقلم د .وفاء عبدالعزيز محضر مستشار واستاذ...


بقلم : عفاف عمر باناعمه إحياء لذكرى جهود...


بقلم : ابنة الوطن فاطمة الطويرقي مقياس حضارة...


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 06:02 صباحًا الأربعاء 18 أكتوبر 2017.