• ×

لغة التيجراي أية اسرار !!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

بقلم : عبد العزيز قاسم
أعكف هذه الأيام في تدوين كتابين في أدب الرحلات، بناء على نصيحة أستاذتنا الكبيرة د. عزيزة المانع، التي قرأت ما كتبته في رحلاتي إلى بلاد الحبشة والجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى قبل سنوات طويلة، وشجعتني على التوسّع فيها، وإضفاء بعض التاريخ والأدب عليها، ومن ثمّ طبعها في كتاب، وانتصحتُ برأيها، وباشرت الكتابة.
سافرتُ قبل عشر سنوات إلى بلاد النجاشي “أصحمة”، وكتبت سبعة تقارير صحافية، نشرتُها في صحيفة “عكاظ” وقتذاك، وبالأمس –وأنا أباشر في الكتاب- توقفت عند حادثة تتعلق باللغة، وحيرتني تماما، وعدت إلى المصادر لأفكك لغزها، وتعجبت كثيرا، وسرّي عني بعدما قرأت تفسيرها، وأدعكم مع مقتطفات ما كتبت:
”بعدما أزمعنا السفر إلى قرية “النجاشي” في أقصى الشمال الأثيوبي، كان لا بد من الذهاب لمدينة (مَغَلِي) القريبة منها، والتي يوجد بها مطار. كالعادة، استأذنت من رفيقي الشيخ سلطان أمان بأن أبقى بجوار النافذة كي أطالع بلاده من علّو، وليتني لم أفعل، إذ بمجرد اقلاعنا من طائرة (فوكر 50) ذات المروحتين، صافحتنا السحب الدكناء والصواعق والأمطار والريح، لكأنها تحيّيني، لترسل وميض فلاشاتها وزخاتها وقعقعة موسيقاها لي، عبر طيران ساعتين تقريبا، في أجواء تتراقص فيها الطائرة وتترنّح، فيما هدير المروحتين في أذني يزيد من رجفان القلب، لتفيض علينا الهلع فوق الهلع، ولذتُ بقراءة محفوظاتي من القرآن الكريم والأدعية النبوية التي تراعي حالتنا التي نحن فيها حتى وصلنا مدينة (مَغلي)، وبرغم الهبوط الحاد والمفجع للطائرة المترنحة؛ إلا أنني لم آبه له بفعل ما اعتمل في نفسي من رعب، وما مررت به طيلة الساعتين، وحمدت الله تعالى، وتنفست الصعداء بعد هذه الرحلة المخيفة.
تذكرت أصدقائي الطيارين والمضيفين ودعوت بأن يحفظهم الله، فما مررت به كان فيلم رعب حقيقي، توقف الدم في وجهي أحيانا، في تلكم المطبات الجوية الهائلة، التي تشعر كأن الطائرة –وأنت معها- تسقط في فراغ كبير، وتحسّ بقلبك قافزا من صدرك، وعينيك تجحظان في فرط الرعب، وتكاد روحك تفارقك، والطائرة تهوي في ذلك الفراغ الذي يستمر لثوان عدة، بيد أنها دهرٌ كاملٌ من فرط رعبها عليك.
أطلقت زفيرا طويلا ومسموعا بعد أن ملأت رئتي من هواء (مغلي) على سلّم الطائرة التي حملتُ -من فوري- رعبَ رحلة العودة بها، وانفلتنا إلى مواقف سيارات الأجرة؛ نكتري واحدة تقلنا إلى مدينة (مغلي) حيث قرّر مرافقي أن نبيت بها.
من الأشياء التي استرعت انتباهي؛ لهجة أهل هذه المدينة، فقد استمتعت بلغتهم أيّما استمتاع. كانت أقرب كثيرا لأذني، والتقطتُ بعض المفردات العربية، وتشعر -سبحان الله- بانتماءٍ يتغشّاك وأنت تستمع لأول مرة من أسبوع كامل مثل هذه اللهجة القريبة لك. هي ليست عربية أبدا، ولكنك تستعذبها، تميل بكليتك لها، وتشعر بداخلك بشيء من الفهم أو القرب أو الانتماء. وجدتني أصغي السمع، مشيرا بيدي إلى مرافقي الشيخ سلطان بعدم الحديث معي، ولبثت مصغيا لفئام منهم يتحدثون، وجدتُ نفسي مأخوذا، أحاول أن أجمع بين ما أسمع ولغة أجسادهم وتعابيرها لأفهم ما يتحدثون، ولكأني أفلحت قليلا في فهم ما يتكلمون فيه. وعلى الفور سألت عن هذه اللهجة، فأجابوني أنها لهجة (تجرينية)، والحبشة بما يقول لي مرافقي تحوي على أكثر من 80 لغة ولهجة، كل لغة تختلف تماما عن أختها.
وأنا أكتب هذه السطور الآن بهذا الكتاب، ووقتما تذكرت ذلك الموقف، وسجلت هذه الحادثة في السطور أعلاه؛ رأيت التوقف والبحث في المعاجم عن هذه اللغة، لأعرف سبب المشاعر التي انبجست في نفسي عند سماعي هذه اللغة، وسُرّي عني وأنا أقرأ مذهولا في التعريف الخاص بها في موسوعة (وكيبيديا) التي قالت عن هذه اللغة:
”اللغة (التِجْرِية) هي إحدى اللغات الإفريقية الآسيوية من الفرع السامي وتجد أصلها في اللغة (السبئية) من جنوب شبه الجزيرة العربية. يتحدث بها حوالي 3,015,488 شخص معظمهم في (إرتيريا). تنتمى لغة (الجعز) التي تنبثق عنها اللغة (التجرية) إلى مجموعة اللغات السامية الجنوبية. وتعتبر (سبأ) موطن (الجئز) واحدة من أكبر أربع حضارات عاشت في جنوب شبه الجزيرة العربية في الفترة ما بين سنة 1100 – 1000 قبل الميلاد، وانهارت قبل حوالي خمسة قرون قبل الميلاد بسبب الغزوات التي كانت تتعرض لها من جانب الفرس والدولة الحميرية. هاجر السبئيون بعد كارثة انهيار سد (مأرب) وما تلتها من موجة جفاف ومجاعات وشحّ في موارد المياه من ديارهم شمالا إلى بلاد العرب، وشرقاُ عبر البحر إلى إفريقيا الشرقية، ومن بينها بلاد (الحبشة) حيث امتزجوا بالسكان الأصلين، ونمت من هذا التمازج حضارة (أكسوم) في المنطقة التي تعرف اليوم ب(إريتريا) و شمال (إثيوبيا). ومن بين ما جلبه معهم المهاجرون الوافدون من (اليمن) إلى تلك الجهات لغة (سبأ) التي عرفت في (الحبشة) باسم (جعز) أو (جئز)، نسبة إلى القبيلة التي كانت تتخاطب بها. اختفت اللغة (الجئزية) كلغة حية في حوالي سنة 1000 ميلادية ولكنها بقيت لغة طقوس دينية في الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية. وتنتمى اللغة (الجئزية) شأنها شأن اللغة العربية إلى اللغات السامية الأخرى مثل اللغات الأكادية والكنعانية والعبرية والآرامية” أ.هـ.
في النهاية لم تخطئ مشاعري، فاللغة التي استمتعتُ لها هناك؛ لغة متفرعة من لغات (سبأ) العربية من قبل آلاف السنوات، وليت المتخصصين في علم اللسانيات يكرمونني بالإجابة عن تلك المشاعر التي انبجست في داخلي حال سماعي تلك اللهجة..
فعلا للغة أسرار!!.

 0  0  174
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

بقلم : دلال راضي الوطن في قلوبنا الكتابة عن...


بقلم :عبد الطيف طلحه مع ازدياد الوحشية وارتفاع...


بواسطة : شاكر محجوب

بقلم : شاكرمحجوب ويقترب هذا العام خلال سويعات...


بقلم : عبدالكريم المهنا لو تخيلنا ليس لمجرد...


القوالب التكميلية للمقالات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 05:28 صباحًا السبت 22 سبتمبر 2018.