• ×

. محمد العيسى .. وقنبلة “الهولوكوست”

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

أثار أمين عام رابطة العالم الإسلامي الساحة الإسلامية والعالمية قبل
أسبوعين، وذلك عبر خطابه لرئيسة متحف “الهولوكوست” في واشنطن بمناسبة الذكرى السنوية للحادثة، وكان –كما كل خطاباته- صريحا وقويا في إدانة تلك المحرقة الشهيرة التي اقترفها النازيون تجاه اليهود، ولأن هذا الخطاب “شبه سابقة” لم يعهدها المسلمون –في غمرة الصراع مع إسرائيل- ولم يسمع العالم مثل هذه الإدانة القوية التي انفجرت كقنبلة من أهم مؤسسة شعبية إسلامية؛ كانت ردود الأفعال الحادة والمتباينة حولها.ناقشتُ الموضوع مع بعض طلبة العلم من الأصدقاء، والذين كان أغلبهم مستنكرٌ تماما ذلك الخطاب، وكنت أقول لهم بأننا نحتاج قراءة موضوعية شاملة، تتدثّر الروح العلمية المحايدة، وتنشد الحقّ بصدقٍ وتطلبه، بعيدا عن العواطف والشخصنة.صارحتُ أحبتي هؤلاء بأنني من جيل تربّى على كره أيّ يهودي، وزُرع في رَوعه ربط كل اليهود بدولة إسرائيل الغاصبة، ولم يك لدينا أيّ تفريق بين الصهاينة المغتصبين هؤلاء وبين اليهود كأهل كتاب، فيما انتبهنا لاحقا أن اليهودية كديانة -بعيداً عن الحركة الصهيونية المحتلة- هم أهل كتاب، ولهم مع المسيحيين خصائص في الشريعة الإسلامية دون غيرهم من الديانات والملل.كنت أقول لطلبة العلم هؤلاء بأن أحاديث تعامل نبينا الأعظم -صلى الله عليه وسلم- مع اليهود المسالمين، وعيادته لأحدهم، وموته وهو راهنٌ درعه عند يهودي، وتعامل المسلمين معهم في أسواقهم ومزارعهم بالمدينة؛ توارت أمام الآيات والاحاديث التي تذمّ المحاربين منهم، وبتنا ننظر لهم –المسالم والمحارب- نفس النظرة والمعاملة، ما يحتاج فعلا منكم ومن علمائنا وهيئاتنا الشرعية تفكيكا وإعادة صياغة لقضية تعاملنا مع أهل الكتاب، ويتعيّن الأمر في عصرنا الحاضر، الذي يعيش فيه إخوتنا المسلمون في الغرب ويتعاملون معهم، ويشتركون معهم في المواطنة بتلكم الدول.نأتي للمحرقة النازية التي حدثت باعتراف كل العالم، إذ الخلاف في عدد ضحاياها لا في حقيقة وقوعها، فهي جريمة بشعة بما أحسن وصفها د. محمد العيسى وقال عنها: “جريمة نازية هزّت البشرية في العمق، وأسفرت عن فظائع يعجز أي إنسان منصف ومحبّ للعدل والسلام أن يتجاهلها أو يستهين بها”، وصدق والله في ذلك، فلا تعاطف أبدا مع جريمة مثل تلك، لا دينا ولا شرعا ولا عرفا ولا إنسانية، ومن قدّر له أن يرى –في البرامج الوثائقية- تلكم الطوابير من النساء والأطفال والعجزة وهم يدخلون في أفران الغاز، فضلا عن غيرهم من الرجال اليهود؛ ليقشعر بدنه إن كان به ثمة إنسانية أو أثارة من دين، وليت القراء يطالعون مقطع الأخت المسلمة ليلى جبارين، وهي إحدى اليهوديات “وقتئذ” اللاتي نجين من المحرقة، ليعرفوا حجم الجريمة التي اقترفت.البعض أشهر في تعليقه –بعلم أو بدون- أن “الهولوكست” بات شأنا قديما، وليس من المناسب طرحه ولا داعي لتذكره، لأردّ عليه بأن المشتغلين في السياسة يعلمون أن استنكار هذه الجريمة النازية بات معيارا عالميا تقاس عليه الدول والحضارات والديانات، لذلك وفّق جدا د. العيسى –من وجهة نظري- عندما بادر في مناسبة الاحتفال السنوي بها، التي يحضرها أمين عام الأمم المتحدة ومؤسسات دولية رفيعة وجمعيات عالمية؛ باهتبال*تلك الفرصة السانحة، كي يعرّف العالم بموقف دين الاسلام من أمثال تلك الجريمة، وكتب بكل قوة وصراحة: “إن الإسلام الحقيقي يحرّم هذه الجرائم، ويدينها بأقصى درجات العقوبات الجنائية، ويصنّفها ضمن أقبح الفظائع الإنسانية على الإطلاق، فأي امرئٍ عاقل يمكن أن يتقبّل أو يتعاطف أو حتى يقلل من حجم هذه الجريمة الوحشية؟”.كان من قوة خطاب أمين عام رابطة العالم الاسلامي حول هذا الموضوع الحسّاس، ومفاجأته، وصداه العالمي أن قامت صحيفة “النيويورك تايمز”*العالمية الشهيرة بمناقشته في كلمتها الافتتاحية التي أعدها مجلس التحرير، وأثر خطاب د. العيسى هذا، والحقيقة أنه توفيق من الله، وسبق لي التنويه أن ولاة أمورنا أحسنوا جدا باختيار هذه الشخصية الشرعية والفكرية والسياسية على رأس منظمة* دينية عريقة قوية ومؤثرة بحجم رابطة العالم الإسلامي، والرجل يجوب اليوم البسيطة من أقصاها لأقصاها؛ لتحسين صورة ديننا وبلادنا بعد أن شوّهته جماعات التطرف والارهاب، ويقول للعالم بأن إسلامنا هو إسلام حضارة وتعايش واعتدال، ومن الضروري أن نقرأ توقيت خطابه عن “الهولوكست” من هذا الباب، فضلا على أن ديننا –أصلا- ينبذ أمثال تلك المحرقة الجريمة.ديننا الوسطي هذا؛ نُمْذِج هناك في الغرب -والعالم ككل- قريبا من النازية، بعد مقاطع “داعش” التي كانت تتفنن في صور القتل والحرق والتمثيل، وما فعله د. العيسى “ضربة معلم” بتعبيرنا الشعبي، ومناسبة مهمة لتصحيح صورة إسلامنا الذي ارتسم في ذهنية شعوب العالم كدين إرهابي متغوّل في التوحّش وعداء الآخر، ولا يمكن الالتقاء معه لدمويته، بما صرّح به كثير من الساسة الغربيين، لذلك أسأل –بعيدا عن خطاب د. العيسي- المنتقدين: بكل صدق، هل ديننا يقرّ ذلك الحرق والتمثيل لمسالمين ونساء وأطفال وعجزة، مهما كانت ملتهم؟احتج أمامي أحد طلبة العلم هؤلاء، وقال: “أين الرابطة عن ما يقترفه اليهود من قتل ومجازر في فلسطين اليوم؟”، وكنت أجيبه بأن المحرقة النازية حدثت قبل إنشاء دويلة اسرائيل، فليس ثمة ربط. ثانيا: هناك فرق بين المحاربين الصهاينة والمسالمين اليهود، وثمة يهود في العالم اليوم ضد دولة اسرائيل، فضلا على أن رابطة العالم الاسلامي لطالما ندّدت وأصدرت بيانات عديدة ضد اسرائيل في كل مجازرها، ولربما كان آخرها نقل السفارة الأمريكية للقدس، ولست بمدافع عن الرابطة وخطواتها، ولكن للأمانة لها مواقف مشرّفة في الوقوف مع قضايا المسلمين، ودونكم بياناتها عن إخوتنا في “نيمار”، ومبادراتها الإسلامية المتعددة.*بالتأكيد أن بكائيات إسرائيل اليوم وتوظيفها لهذه المحرقة بأعلى درجاته حقيقة، وهو الذي سبّب عدم تعاطف الكثيرين منا، ولكننا مأمورون بالعدل، فلا نخلط بين الصهاينة المحتلين وبين اليهود كأتباع ديانة سماوية، بمثل ما نحن مأمورون بالعدل بعدم الخلط بين المسيحية المسالمة، والصليبية السياسية المعادية والمعتدية التي عاثت فساداً في حملاتها على بيت المقدس، فصار منهم القتل والسحل والمحن بما لا يقلّ عما بدر من صهاينة إسرائيل اليوم.أنا من أكثر الناس شعورا بالإطار العام الذي يجول فيه د. العيسى –وغيره من القيادات الإسلامية والدعاة المعتدلين- والأرضية التي يتحرك عليها، وللأسف أن الإطار مشروخٌ مع قضايا الارهاب الذي لبّسه العالم علينا، والأرضية هشةٌ مهترئة وليست في صالح المسلمين الذين يعيشون تأخرا حضاريا وانهزاما على كل الصعد، لذلك ينتصب السؤال الصعب: هل نحن في الظرف المناسب والقوة والمكانة التي تجعلنا نطالب –كما شنَّع بعض المعارضين- العالم بإصدار بيانات إدانة بما حصل في البوسنة مثلا وبقية بلدان إسلامية؟!رغم تبريري الآنف إلا أنني على ثقة من معالي د. محمد العيسي –وهو الرجل الخرّيت- أن يمهّد لهذا، وأن يحاول في بابا الفاتيكان أن يصدر اعتذارا عن جرائم الكنيسة الكاثوليكية في محاكم التفتيش والحملات الصليبية في بلاد الشام، والبابا فرنسيس رجل متسامح جدا مع قضايا المسلمين، ولو استطاع معاليه فعلها؛ ستكون بحق سابقة تأريخية تسجل له.” ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى”..بهذه الآية ختمت حواري مع طلبة العلم، الذين انقلب موقفهم لتفهّم كامل والحمد لله، وهو ما أقدمه لباقي المشنٌِعين؛ أن اقرأوا قنبلة خطاب “الهولوكوست” التي انفجرت في إطارها السياسي وظرفها الزماني وصميمها الشرعي، وستحمدون للرجل ما فعل.

 0  0  123

جديد المقالات

بواسطة : شاكر محجوب

بقلم : شاكر محجوب منذ نعومة اظافرها وبوادر...


بقلم : عبد اللطيف حسن طلحه في واحدة من الجرائم...


بقلم : عبدالكريم المهنا مباراتنا مع الروس ، هي...


بقلم ؛ عبدالعزيز قاسم خلوت لنفسي بعد أن أكرمني...


القوالب التكميلية للمقالات

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 12:09 صباحًا الأربعاء 20 يونيو 2018.