• ×

من دروسِ حياتي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
بقلم : عبد العزيز قاسم
كنت أتفرّس في ملامح ابني الأكبر أسامة، والفرحة الطاغية مرتسمة عليها، ونحن في صالة إحدى الأسر الكريمة نخطب ابنتهم لابني الحبيب، وانثالت الذكريات أمامي فجأة مع حديث جدّه الغالي عبدالله بن حامد الغامدي الذي ترأسنا في هذه الخطبة، منصتين له وهو يحادث والد العروس، مثنياً على كاتب السطور وقتما جاءه بعمر ال24 يخطب ابنته، وقلّبت عيني بين عمّي الذي جلّله الشيب والوقار وبين ابني الذي يفيضُ شباباً وحيوية؛ لتمورَ عاصفةٌ من المشاعر في نفسي؛ لا أتمالك إزاءها إلا أن أتفاعل مع ذكرياتٍ وصورٍ تتالت في حينها، عمرها 28 عاما عندما كنت في ذات مقعد الابن.وهو يهمّ بالمغادرة؛ انهلتُ على رأس عمّي عبدالله الغامدي تقبيلاً، فيما الرجل، بوجهه الإيماني الوضيء الذي وخطت السنون أخاديدها عليه؛ يبتسم لي بسعادة، شاعراً بمقدار حبي الغامر له، متلمّساً مشاعري الطافرة تجاهه، ولم يدر أنني عشت في تلكم الساعة ذكرياتي معه ومع عمتي الغالية الجميلة عزيزة الخديوي شافاها الله، وأن قبلاتي على رأسه إنما كانت امتناناً وشكراً وعرفاناً على كل تلك السنوات التي كانا بمثابة والدين حقيقين لي، أسبغا عليّ –وزوجي- من حكمتهما وحدبهما ورقيّهما وتوجيههما الشيء الكثير، ساعدانا في إنجاح حياتنا الزوجية.كان الاتفاق بيني والابن أسامة أن يعمل في وظيفته بعد تخرّجه من كلية الطب قبل أسابيع، وبعد سنة أو سنتين يكمل نصف دينه ويتزوج، بيد أنني فوجئت به بعد حفل التخرج يلحّ عليّ –ووالدته- أن نبحث له عن زوجة، مشترطاً أن تكون طبيبة مثله لتتفهم وظيفته، ومن بيت محافظ. وعبثاً حاولت ثنيه بلا طائل، ولمحتُ في عينيه بريقاً لم ينطفئ أبداً، سرعان ما تذكّرت أنه بَرَق في عينيّ في نهاية دراستي الجامعية قبل أكثر من عقدين ونصف تقريباً، جئت وقتها والدتي مصمّماً على الزواج، ولم تفلح محاولاتها في ثنيي، لذلك لم أتمالك إلا أن أرضخ للابن أسامة، لمعرفتي عبثية محاولات التأجيل.في المجلس بالأمس، كان الجميع يتبادل الحديث، فيما كنت أجوسُ في عالمٍ بعيد، إذ كان ابني بجوار جدّه الوقور وبيني، وكنا نمثّل ثلاثة أجيال، وسرحتُ في أسئلة الوجود، ومآلات الحياة، واستمرارية الإنسان عبر هذه الفطرة التي هذبها الدّين بالزواج، وانبجستْ في نفسي دروساً، وددتُ تمريرها لابني ليتعظ ويفيد ويتعلّم منها، بيد أنني ابتسمتُ بنفسي وقلت بأنّ الجينات واحدة، فلطالما قرأتُ وأنا في عمره كثيراً من الكتب المليئة بالنصح والتوجيه، دون أن تستقرّ بوعيي، إلا دروس الحياة التي مررتُ بها ولطماتها، فهي من كانت المعلم الحقيقي لي.هآ أنا في بداية خمسينياتي، وبعد تقاعدي المبكر الذي قرّرت فيه أن أتمتّع بما بقي لي من عمر، بعد مشوارِ كفاحٍ ولأواءٍ وعرق؛ أسائل نفسي وأقول لو عاد بي العمر إلى ذات مقعد الجامعة، ليت شعري أيّ قرارات سأتخذها غير تلك التي أخترتها، وأية طرائق سأسلك غير تلكم الطرق التي مشيت عليها، وأية حياة سأختارها بعد أن مضيت في حياتي هاته؟! أسئلةٌ تمرُّ علينا لواذاً بين فترة وأختها، ونمضي في خيالاتنا عبرها، نفيق منها على أن عجلة الأيام مضت ولن تعود، والسعيد من يتعظ بباقي أيامه ويفلح في ترميم ما أخلّ وفوّت، مدركاً صحّته وقوّته قبل أن يهرم..أصبتُ في قرارات، وأخطأتُ في مثلها، وعشتُ زمن الصحوة التي دخلتُ –وجيلي- بكليّتي في صميمها، وسأفرد كتاباً عنها يوماً ما، وعاصرتُ أحداثاً كثيرة، وخضت غمار مغامرات مرعبة في سِنيّ شبابي، أفخرُ بكثير منها. سافرتُ لبلاد عديدة أدعو لله تعالى، وأرفعُ راية وطني فيها أينما يمّمت. عاصرتُ طفرتين مرّتا على بلادنا، ولا شك بأن أجواء جيل الابن أسامة ومن سيأتي بعده؛ سيكون مختلفاً بالكلية، وسيعيشون في سعودية حديثة تتشكّل اليوم بيد أميرٍ شاب بعمرهم، سيجنّبهم العوز والفقر والحاجة في عصرهم الذي سينتظرهم، عصر ما بعد النفط، يساهمون بسعودية شابة تنافس في العالمية.قاطعني الابن أسامة ونحن في الطريق، وقال بكل ثقة، سأتكفل بكل مصاريف زواجي، ولم أدهش البتة، إذ من صغرهم والحمد لله؛ حرصت على نقل ثقافة عائلتي بضرورة عمل الابن من يفاعته وتعويده عليه، وهذا الطبيب الابن الذي بجواري، عمل نادلاً في مطاعم “بيتزا هت” و “مكدونالدز” إبان إجازاته الصيفية في مرحلته المتوسطة، وعمل في شركة “تويوتا”، ينقل الأوراق بين مكاتب موظفيها، ويلاحق المتأخرين في السداد*للشركة في مرحلته الثانوية، وعمل في مؤسسة صديقي الحبيب خالد العريفي كموظف استقبال في فندق بمرحلته الجامعية التي كان يستمتع وهو يدرس أنماط الشخصيات التي تنزل بالفندق، ولذلك لم أستغرب أنه اختار التخصص النفسي في كلية الطب. أفخر أنني غرست عملياً في وعي أبنائي الثلاثة من صغرهم: العمل شرف.عدتُ إلى تأملاتي، وحمدتُ الله على صفة لازمتني من صغري، بالاختلاف والجلوس بين يدي كبار السن. وفرحي بجلوسي مع ذوي الشيبة تفوق أضعافاً مضاعفة إذا ما جلست مع رصفائي، فمع أولئك تنهل من عصارات تجاربهم في الحياة، وقد أدركوا الفقر والمجاعات، وأغناهم الله بعد امحال، وهو ما نصحت به الأبناء؛ أن صادقوا واختلطوا مع من هم أكبر منكم عمراً وأرفع علماً، فهم يرفعونكم إليهم عكس غيرهم، لذلك اختلطتُ في مراحل عمري مع كثير منهم، وكان سؤالي الجاثم أبداً في صدري، والذي أساءل هؤلاء الكهول أينما لقيت: “لو رجعَ بك العمر.. على ماذا ستحرص”.طبعاً تتباين الإجابات من رجل لرجل، وبحسب ظروفهم المعيشية والحياتية التي مرّوا، وأتذكر وزيراً فاضلاً سابقاً ردّ عليّ؛ الحميمية العائلية والجلوس مع عائلته ستكون أولويته، وأنه في سنيّ شبابه إبّان بناء مستقبله، لم ينتبه لأبنائه وهم يكبرون، ولم يستمتع بأبوّته لهم، وأن تلك متعة كاملة -لا تضاهيها متعة- فاتت عليه.أحدهم قال لي بأنه يبكي دماً وحسرة وندماً ليومه هذا على والديه، إذ قضيا وهو لمّا يزل منهمكاً في عمله، ولم يستطع أن يبرّ بهما في حياته، ويتحسّر الرجل أيّما تحسّر.ثالثٌ قال لي أنه لم يستمتع بشبابه ولم يسافر كثيراً، بل استغرق بالكامل في العمل والحرص على جمع المال، وبعد أن توافر المال لديه اليوم؛ لا يستطيع السفر أو الاستمتاع بسبب أن الأمراض اخترمته.أما لو عادت بي أنا –كاتب السطور- الحياة إلى سنيّ حياتي التي مضت؛ لتجنبتُ أولئك الأصدقاء المتسلقين –وما أكثرهم- الذين يركبون ظهور الآخرين ليصلوا لغاياتهم، ولانتبهت إلى أولئك الذين ملأوا أسماعنا مواعظ عن البذل والدعوة والزهد في الدنيا، وقد ملأوا خزائنهم من الأموال، أما باقي حياتي، فأحمد الله تعالى عليها، إذ تميّزت بسرعة التصحيح إن أخطأت الطريق، وعدم المكابرة بالخطأ والرجوع السريع إلى الصواب، وهو ما فعلته كثيرا حتى كتابة هذه المقالة، ولربما كانت مرحلة الجامعة هي الأميز في حياتي كلها، إذ لا مسؤوليات، وحرية كاملة تتمتع بها، انغمست وقتها في العمل الخيري والدعوي وطلب العلم.ليس مثل القناعة وعقيدة الرزق، دواء لهذا الجشع الفطري في الإنسان، وأحمد الله تعالى على توافر جزء منها عندي، وحاولت متأخراً دخول مجالات العقار والأسهم والعملات، غير أن الله لم يكتب لي فيها رزقاً أو نجاحاً، فحمدت الله تعالى راضياَ مطمئناً وقد حاولت جهدي، وانصرفت إلى ما أجيده وهو الإعلام، وأطالع**اليوم بعض التجار ورجال الأعمال حولي مهمومين بأعمالهم التي لا تنتهي، ومبتلين بأدواء السكري والقلب والضغط، ومرتعبين وجلين لا ينامون الليل من حملات الفساد التي قد يأتي دورهم فيها، أو خسائر الأسهم والاقتصاد الذي يهبط؛ لتجد الإنسان متوسط الدخل، سعيداً غير آبهٍ لما يحدث، مستقراً في حياته، قانعاً بما رزقه الله، جذلاً مسافراً في بلاد الله يستمتع بأيامه، ويمارس هواياته بكل هناء وسعة صدر وانشراح، ومن يمنّ الله عليه بهذه النعمة؛ تجدهُ ينام قرير العين هانئ البال، يشعر بأنه أعطى حق أبنائه وأهله، وآن الأوان لأن يعطي حقّ نفسه.“أعظم استثمار يفعله الانسان في حياته؛ الاستثمار في تعليم أبنائه”، كانت هذه قاعدتي في الحياة، ولم أقصّر في انفاق أي شيء لتعليمهم، حتى لو على حساب كماليات العائلة واحتياجاتها أحياناً، وهو ما تعلّمته من والدتي الغالية يحفظها الله لنا، والتي باعت أغلى ما تملك ذات سنة جدباء في التسعينيات الهجرية، باعت أقراط والدتها التي ماتت عنها وهي بسن الأربع سنوات، وكانت تقول بأنها الشيء الوحيد الذي ورثته عن والدتها، بيد أنها باعتها كي توفر لنا حقائب وأقلام ودفاتر المدرسة في تلك السنة، وامتهنت هذه الأم العظيمة الخياطة، كي تعيلنا وتنفق على تعليمنا، وها هي محاطة اليوم بأكثر من 15 ابناً وحفيداً بأعلى الشهادات العلمية، معظمهم تخرّج من جامعات بريطانيا وألمانيا واليابان.بتُّ اليوم أبتعدُ عن التجمّعات والمناسبات التي لا تزيدني علماً ولا نفعاً، وبتُّ أركّز في مرحلتي الحالية على تأليف الكتب، يقيناً مني أنها التراث الذي يبقى للإنسان بعد رحيله، وبتُّ أهرب من أولئك الفارغين الذين لا همّ لهم إلا المال والنساء والملذات، واستبدلتهم بخلوةٍ مع نفسي، وجلوسٍ مع عائلتي، وانهماكٍ في كتبي، واكتفيتُ ببعض الخلان والأحبة؛ هم أصدقاء العمر الحقيقين الذين لا أفرط بأخوّتهم أبدا، فهم الذهب والكنز الحقيقي للانسان.نمرّ عبر سنواتنا هذه في أزمة منتصف العمر، وتصيبنا سهام الدنيا، وتخترمنا بشريتنا وتبعدنا قليلا عن الله، ورغم تقصيرنا الدائم، وإخلالنا بكثير من مناهيه؛ إلا أن الإيمان الساكن في قلوبنا، ومحبتنا لخالقنا؛ لنرجو أن يخفّف الله بها تبعات بعض صبواتنا وهناتنا.استرسلتُ في بوحٍ شخصي خاص من وحي فرحة الابن أسامة، وأسأل الله له ولإخوّته أن يمنّ عليهم بالإيمان، ويهديهم الصراط المستقيم، وأن يقرّ عيني بهم وهم يخدمون دينهم ووطنهم وولاة أمرهم في أرفع المناصب.بعضُ دروسِ أبٍ محبٍّ لأبنائه، علّهم يفيدون من رسائلها الظاهرة والكامنة.

 0  0  19
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

بواسطة : شويش الفهد

بقلم : شويش الفهد يحدث أن تخطئ في معلومة ثم...


بقلم : عبدالكريم المهنا بها أبطل الله حبائل...


بقلم/ محمد بن جهز العوفي عندما يعطي الموظف...


بقلم : عبدالكريم المهنا السعودية هي القوة رقم...


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 09:01 مساءً الخميس 26 أبريل 2018.