• ×

«من الشعر إلى النثر»

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
بقلم : دلال راضي
بين مد الفكرة وجزر اللغة يتأرجح الشاعر فلا يدري هل يعبر عن فكرته شعرا أم لا يفعل، لأنه قد لا يستطيع ذلك فاللغة قد تخذله وتقيد رؤيته الشعرية خاصة حينما تحتم عليه اختزال فكرته داخل بحور شعرية وتفعيلات لا يستطيع تجاوزها، فيضطر للتلاعب بالمفردات ليبقى داخل هذه البحور والتفعيلات ولا يتجاوز قواعدها، ولكن هذا اللعب مع المفردات قد يحجم المعنى الذي يريد الإفصاح عنه وينقله ناقصا أو مشوها، مما يجعل المتلقي يعتقد أن فهم الشاعر لفكرته المطروحة فهم قاصر وضيق ومشوش, أظن أن لكل شاعر تجربته مع النثر وخاصة النثر المكتوب بلغة شعرية راقية ومعبرة، فلماذا لا يتجاوز الشعر إلى النثر إذا اقتضت الحاجة، فعندما يجد الشاعر نفسه مقيدا باللغة المزاحة على مساحة محددة بحدود البحر الشعري أو التفعيلة وبنفس الوقت فإن هذه المساحة لا تعطيه المجال للتعبير عما يريد قوله بطريقة حرة وجامعة تتيح وصول فكرته إلى المتلقي كما يريد، فبدلا عن الاجتهاد في ترويض اللغة واللجوء إلى الرموز والمقاربات التي لن يفهمها إلا القلة، لماذا لا يعبر الشاعر عن فكرته نثرا وبلغة شعرية راقية يضع فيها قدراته الفنية في رسم الصورة بحيث ينقل فكرته بطريقة مقبولة ومفهومة لدى أغلب المتلقين فالنثر قد يكون أكثر مرونة ويحرره من الأوزان والبحور ولكن لن يعفيه من اللغة الشعرية, حقيقة الأمر أن النثر الأدبي الشعري فن موجود وراسخ، وجميعنا نقرأه ونتناوله أدبيا ونستشهد بجماليات صوره في حياتنا العامة امتدادا من كتابات جبران حتى محمد الماغوط، لكن الملاحظ أن فن الخواطر النثرية برز بشكل كبير وشائع في وقتنا الراهن مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والتي جعلتنا وجها لوجه مع مئات الخواطر والنثريات الرائعة كل يوم ناهيك عن الدواوين النثرية المنتشرة بشكل كبير فأنا لوحدي أصدرت ديوانيين نثريين تضمنا العديد من النثريات التي كتبتها في فترات مختلفة وأراها تعبر عما يعتمل بوجداني أحيانا أكثر من أي قصيدة موزونة كتبتها، وحين كنت أقوم بنشر هذه النثريات في مواقع التواصل الاجتماعي على مدى سنوات كنت ألاحظ أن لها صداها الكبير لدى القرأ وذلك من خلال تفاعلهم معها واستمرار هذا التفاعل، ولو قارنت حجم هذا التفاعل مع التفاعل مع المنشورات الشعرية سأجد حتما أن النثريات لها حضورها وشعبيتها أكثر من الشعر والذي يظل دائما نخبويا ولا يرقى لمستواه الفني وإدراك صوره ومعانيه سوى القلة.
حين طرحت أن على الشاعر تجاوز الأوزان والبحور إلى النثر عندما يشعر أن اللغة في حدود هذه الأوزان والبحور تخذله ولا تعطيه المساحة الكافية للتعبير عن أفكاره ومشاعره المختلفة، فأنا لم أقصد بهذا التجاوز الكتابة بأسلوب نثري بحت ولكن بطريقة تمزج بين الشعر الموزون والنثر بطريقة سلسة ومترابطة وحسب ظني أن هذا الأسلوب في الكتابة الشعرية أصبح له وجوده، وقد أطلعت على بعض نماذجه الرائعة وأظن أنه سيكون له حضوره ورواده في المستقبل القريب.
ما دفعني لكتابة هذا المقال هو أنني كنت بالأمس في مباراة نثرية في أحد الملتقيات الأدبية في وسائل التواصل الاجتماعي بحيث يتم طرح بيت أو بيتين من الشعر ومن ثم يطلب من الأعضاء مجاراتها نثرا وقد راق لي هذا التباري فهو يظهر قدر تماهينا مع الأبيات الشعرية وفهمنا لها وبالتالي مدى قدرتنا على مجاراتها نثرا وبأسلوب فني يصنع مقاربة بين روح الشعر والنثر.

 0  0  92
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

بقلم : نجلاء راضي من المؤكد أن النقد كفن أدبي...


بقلم : دلال راضي ربما أصبحنا جميعا عالقين في...


بقلم : عبد العزيز قاسم تَبْرَح”. الرافعي....


بقلم : عبدالكريم المهنا بين سيدنا معاوية بن...


القوالب التكميلية للمقالات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 12:37 مساءً الخميس 13 ديسمبر 2018.