• ×

الطفلة "بسارتا"..وملحمة استقلال كوسوفا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
بقلم : عبدالعزيز قاسم
بمجرد أن تطأ قدمك أرض كوسوفا، وتغادر بوابة مطار عاصمتها "بريشتينا" يطالعك نصبٌ رائعٌ لملهم الاستقلال "آدم يشاري".
لم آبه فعلا للرجل، ولكن عندما غادرت كوسوفا، توقفت طويلاً عنده، وأخذت مجموعة صور، لأن لهذا الرجل وعائلته قصة في الوجدان الكوسوفي الحديث، فهو الذي أشعل ثورة الاستقلال عن الصرب، وبات الألبان يحكمون أنفسهم لأول مرة في تأريخهم عبر مئات القرون، ومن الضروري التنبيه إلى أن القومية الألبانية كانت الباعث لفكرة الاستقلال، والهوية الإسلامية تابعة لا أصل.
لا بدّ لأيّ زائرٍ لهذه الجمهورية في قلب البلقان أن يزور قرية "آدم يشاري"، ويُحسب للحكومة الكوسوفية تحويل تلك القرية لمعلم وطني مميز، وخلّدت للرجل ما قام به من تضحية، وكنتُ وأنا أجولُ في تلكم القرية مأخوذاً من روعة تصميم المكان، فمن قام به فنانٌ لا مهندس، والقصة أن "يشاري" هذا في بداية تسعينيات القرن الفارط، وبعدما صوّت الكوسوفيون الاستقلال، كان يرى بأن حلمهم مستحيل والديكتاتور الصربي الشهير "ميلوسوفيتش"، وكان يرى أخذ الاستقلال بالمقاومة، و في مقابله كان إبراهيم روغوفا، الذي لقبه الغرب ب"غاندي" البلقان، الذي رأى جدوى الحلّ السلمي، وانحازت له الأكثرية من أهل كوسوفا، بيد أن الصرب ماطلوا كثيرا، وقاموا بالمجازر الشنيعة، والتهجير القسري، ورفضوا إعطاء الكوسوفيين حقهم، وارتكبوا أكبر خطأ ندموا عليه، بقتل عائلة "يشاري"، والتي كانت النقطة الفاصلة التي آمن بعدها الكوسوفيون بأن الاستقلال سلمياً طريقٌ مغلقٌ بالكامل.
في اليوم الخامسِ من شهر مارس، عام 1998م، وفي ساعات الفجر الأولى؛ طوّقت قرية "يشاري" قواتٌ كبيرة من الجيش الصربيِّ مُجهَّـزة بالمدفعية الثقيلة وعربات نقل الجنود المدرَّعة، للقضاء على قائد المقاومة وعائلته بشكل نهائيٍّ، وقد اتخذوا قراراً بإبادة العائلة، بعد أن أوجعتهم المقاومة الكوسوفية في الصميم، عبر هجماتهم الجريئة والبطولية، فتحلّقت هذه القوات المدجّجة حول البيت، لحصاره بالكامل، ومنع وصول أية مساعدات أو دعم لهم.
عندما تجوّلتُ -في زيارتنا هذه للقرية- داخل الغرف التي تحصّن فيها يشاري وعائلته؛ هالتني آثار القذائف الكبيرة التي أحدثت حفراً في الجدران، وبعضها هُدم بالكامل من قوة القصف، فضلاً عن آثار الرصاص الذي زيّن كل المنازل هناك.
"لا يرحلُ عنِ الوطنِ إلا أعداؤه!!".
كانت هذه إجابة النساء للرجال من عائلة آدم يشاري الذين اقترحوا إجلاء النساء والأطفال عن منازل العائلة، فرفضت النساء أبداً أن يتركن الصمود والمقاومة مع رجالهنّ، لذلك لا تستغرب في النساء الألبانيات هذه الروح القوية، وأنّ دورهن مفصلياً وحاضراً بقوة في الحياة الاجتماعية، وأتصوّر أنهنّ السبب في صمود رجالهنّ الأسطوري، فقد قمن بأدوار لوجستية بدعم أولئك الأبطال الذين كانوا لا يملكون سوى بضع رشاشات خفيفة، أمام الدبابات والمدافع الثقيلة التي كان الصرب يحيطون بها القرية.
حاصرتْ القواتُ الصربية الحيَّ كلّه، واقتحمتْ كثيراً من بيوته. وتحصَّن آدم وعائلته في ثلاثة منازل لهم: والدهم شعبان -رغم كبره وطعنه في السن- في المنزل الرئيسيِّ الذي في المقدمة، ومن خلفه حفيده، وتحصَّن آدم في مقدمة البيت الآخر. أمّا حمزة، شقيق آدم، فتمركز في منزل النساء. فيما شاركتْ بيوتٌ أُخرى كثيرة من الحيِّ في عرس المقاومة هذا، والتفوا جميعاً خلف هذه العائلة التي خلّد تأريخ كوسوفا اسمها.
لعلكم تتساءلون، وماذا يفعل النساء والأطفال في حربٍ ضروسٍ أقربُ إلى الانتحار والإبادة؟!
إنه حبّ الوطن، والكرامة التي تمتّع بها الألبان، فالنساء والأطفال، فضلاً على أن وجودهنّ ملهمٌ للرجال كي يصمدوا أكثر؛ إلا أنهنّ كذلك كنّ يُهيِّئنَ الذخيرة، ويُعلِّمْنَ الصغار. كنتُ أستحضر هذا الصمود الأسطوري وأنا أجولُ في تلكم الغرف التي لم يبق فيها موضع إصبع، إلا وأثر رصاصة أو قذيفة تزينها كقلائد وجُمانٍ تتباهى بها تلك البيوت.
لمدة يومين كاملين، لم يناموا لا ليلاً ولا نهاراً، صمدت العائلة أمام تلك القذائف والرصاص المنهمر عليهم، وكانت القوات الصربية تستخدمُ قنابل تنفجّر عند اصطدامها بالحائط الخارجيِّ للبيت، ثم تنفجر ثانية عندما تستقرُّ داخله، ولو علم الصرب أنهم وقتها، إنما يُشعلون شرارة الثورة في كل كوسوفا؛ لتوقفوا وانسحبوا، ولكنه أمر الله، وقد أبيدت العائلة بكاملها خلا طفلين، هما "وشتريمي بن آدم "، والصغيرة "بسارتا ابنة حمزة" ذات الحادية عشرة من عمرها.
كنت أتساءل وأنا أقف بتلك الغرفة المخيفة، وأردد: ليت شعري كيف قضى الطفلان الصغيران تلك الفترة العصيبة؟! فالجيش الصربي الغشوم محاصرٌ المنازل، والجنود الجبناء مطوّقين المكان بالكامل، وتوقفوا عن إطلاق الرصاص، والطفلان منكفئان في زاوية غرفة مظلمة وقد تلاصق جسداهما الصغيران، ينتظران جلاوزة الصرب أن يدهما المنزل ويذبحاهما وينالا الشهادة بدورهما.. الصرب تأخروا في الدخول، بل جبنوا أن يقتحموا المنازل، بعد أن رأوا الصمود الأسطوري للعائلة.. الهدوء يعمّ المكان، فلا صوت إلا النسائم الخفيفة التي تغني أغنية الشهداء، والطفلان يهمهمان بين بعضهما: أنخرج أم ننتظر؟!
كانا من الشجاعة والجسارة -التي خلى المحاصرون الصرب منهما- أن قرّرا الخروج، بعد أن ظنّا أن الجيش الصربي رحل، وتقدّم بكل شجاعة الطفل "كوشتريمي" أولاً، واضعاً وحامياّ ابنة عمه "بسارتا" خلف ظهره، وبمجرد أن أطلّ برأسه الصغير، إذا برصاصة غادرة، من قنّاص صربي جبان، تخترق رأسه الصغير، لتتناثر جمجمته، ويتمدّد بجسده الطاهر، ويسقط شهيداً في حينه، لاحقاً أبويه وإخوته في علييّن.
لاذت الصغيرة "بسارتا" ابنة حمزة إلى الداخل، وعادت تنكفئ لوحدها في البيت، تتنظر مشيئة الله وقدره فيها، مستمدّة من تربية العائلة قوة قلب ورباطة جأش، لتصبر كل ذلك الوقت الطويل الذي بقي فيه الصرب محاصرين البيت، وبعدما تأكدوا أن ليس ثمة أحد في بيوت العائلة، بعد كل قصفهم الشديد انصرفوا، دون أن يجرؤوا حتى على الدخول.
وبمجرد رحيلهم؛ هرع الجيران من كل مكان للدخول ليجدوا "بسارتا" لوحدها، ذاهلة وقد شابت من هول ما رأت، بيد أنها ثابتة تلك الطفلة المعجزة، وحملوها للخارج وهم يبكون غير مصدقين ما يرونه؛ لتحدّث "بسارتا" العالم لاحقاً عما حصل في هذه الملحمة البطولية التي سطرتها عائلة يشاري، التي أبيد 58 فرد منها وقتها، من بينهم 18 امرأة و10 أطفال دونَ سنِّ ال 16 .
حكت" بسارتا" لاحقاً: لقد اجتمعنا في ذلك اليوم جميعا لنقاتل فتياناً وفتيات العائلة، ولقد كانت أصعب اللحظات عندما دخلت الغرفة التي كنا نعدّ الطعام فيها وبعد قتل جميع أفراد العائلة، رميتُ بنفسي على الأرض كأني ميتة، ووقتها طلبت أختي الصغيرة من زاوية الغرفة مني الماء، وكانت حيّة وقتها، وهي مصابة بجرح كبير؛ إلا أنني لم أتمكن من إحضار الماء لها..كانت تلك من أصعب اللحظات عليّ".
للقصة بقية، ذكرت تفاصيلها في كتابي، ولكن سأختم بما كتب فتيات وشباب كوسوفا على قمصانهم في يوم 17 فبراير 2008م، وهو اليوم الذي أعلنت كوسوفا استقلالها رسمياً، وبات آدم يشاري رمزاً لهذا الاستقلال، كتبوا وهم يرقصون ويهتفون في ساحات مدن كوسوفا كلها:
"يا عم آدم.. لقد تحقق النصر".

 0  0  19
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

بقلم : دلال راضي ربما أصبحنا جميعا عالقين في...


بقلم : عبد العزيز قاسم تَبْرَح”. الرافعي....


بقلم : عبدالكريم المهنا بين سيدنا معاوية بن...


بقلم : عبد اللطيف حسن طلحه لأديان عند الله...


القوالب التكميلية للمقالات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 12:40 مساءً الإثنين 10 ديسمبر 2018.