• ×

الشيخ زايد في مدينة “فوشتري”

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
بقلم : عبد العزيز قاسم
تَبْرَح”. الرافعي.
أحرص دوماً على الانقطاع شبه الكامل عن العائلة أو الأصدقاء إن سافرت بعيداً، ممتثلاً نصيحة أديب العربية الكبير مصطفى صادق الرافعي الآنفة، وفي أخريات أيام رحلتي هاته في كوسوفا؛ استبدّ بي الشوق لعائلتي -وابنتيّ بالخصوص- وبعض أصدقائي الذين تواصلت معهم بعد غيبة، ووقتما عدت للعاصمة “بريشتينا”، في اليوم قبل الأخير، أخبرني مرافقي أننا سنذهب اليوم إلى مدينة “فوشتري”.
لأول مرة أسمع عن المدينة، ولذت إلى المعاجم لأعرف شيئاً عنها، فوجدتها تقول بأن مدينة “فوشتري” هذه، كانت تعدّ من أهم المدن في العهد الروماني. وبعد الفتوحات العثمانية برز دور هذه المدينة كونها المركز الإداري والتجاري للأتراك آنذاك، وكان مقرّ قيادتهم في منطقة “سنجق”، ويقع في مركز المدينة الجسر القديم منذ العهد الروماني، أما الجسور الموجودة بها الآن فهي تعود للقرن السادس عشر، ولكنها غير مستخدمة لأن نهر “سيتنيتسا” الذي يمرّ من تحت هذه الجسور قد تغيّر مساره ومصبّه. كما أن بها قلعة “فوشتري” التاريخية، ولكن فقدت هذه المدينة أهميتها إبّان الحكم التركي.
للأسف لم أزر أيّاً من معالم هذه المدينة، وأسفت جداً على ذلك، إذ أخذني الوقت مع مضيفيّ هناك، بيد أن رفقتي أخذوني لداخل المدينة، وفرحت جداً، وشعرت بفخر كبير؛ عندما رأيت صورة الشيخ زايد آل نهيان -يرحمه الله- على مدخل مستشفى كبير هناك في المدينة. حكيم العرب ذاك؛ له أياديه البيضاء في كل مكان بهذه المنطقة، ودعوت من قلبي له ولأبنائه على ما قدموه، وسألت عن قصة هذا الحضور الإماراتي الكبير في “فوشتري”، فأخبروني بأن ثمة كتيبة عسكرية إماراتية كانت هنا، بعد حرب الاستقلال، ضمن الكتيبة الفرنسية التي تولّت الحماية في هذه المنطقة، بينما الكتيبة الألمانية في منطقة “بريزرن”، وترك هؤلاء الجنود الإماراتيون أثراً كبيراً في نفوس أهل المدينة، لمّا تزل ذكراهم بكل الخير والحب والامتنان، وحكوا لي أن أولئك الجنود كانوا قدوات وأماثيل رائعين، عبر تباسطهم وتعاملهم الراقي والعالي مع أهل المدينة.
أضاف لي بعض نخب مدينة “فوشتري” وقالوا بتأكيد وجزم: “لا توجد أسرة واحدة في مدينتنا، من الجدّ للأب للزوجة للأبناء؛ إلا ويعرف الشيخ زايد يرحمه الله، بسبب المعونات التي كان تصلنا من الإمارات، بل وأكثر من ذلك أن أولئك الجنود والمنظمات الإغاثية الإماراتية كانوا لا يفرّقون بين مسلم ومسيحي، بل الكل استفاد من مساعدتهم”.
أكتب هنا ما شاهدته والله بكل أمانة، وما سمعته شخصياً من الأهالي هناك، وهم يكلمونني بكل الامتنان العميق الذي رفعوه لإخوتنا الإماراتيين الذين تأثرت بموقفهم ودعوت لهم في ذلك الموقف، وقالت لي النخبة التي التقيت: “قدّم لنا الإماراتيون في مجال التعليم، وأيضا أنفقوا بالملايين على المساعدات الطبية، وبنوا لنا مسجداً كبيراً في وسط المدينة، وهو مسجد الشيخ زايد يرحمه الله”.
عندما سمعت عن المسجد، طلبت منهم أخذي له، فقد حان وقت صلاة الظهر، وأديتها جمعا مع العصر في مسجد الشيخ زايد بوسط سوق مدينة “فوشتري”، ودعوت للشيخ زايد صادقاً ومن صميم قلبي، إذ كان المسجد كبيراً، وفي موقع متميّز، وتحته محلات تجارية ومقاهٍ، خصّصها كأوقاف للمسجد، يأخذون من ريعها للصرف على المسجد، وأخبرني رئيس المشيخة الإسلامية في المدينة الأستاذ شمسي، بأنهم استفادوا من هذه المحلات خلال 10 سنوات حوالي مليون يورو تقريباً، بنوا من فائض مردودها عشرة مساجد أخرى خارج المدينة، وقلت وقتها: ما أروع من فكر بهذا التفكير الذي يستشرف المستقبل!! هذا هو الفكر الوقفي الذي نحتاجه.
عندما التقيت سماحة الشيخ “نعيم تيرنافا” مفتي كوسوفا قال لي بأن دولة الإمارات كانت من أوائل الدول التي سارعت إلى مساعدة شعب كوسوفا أثناء المحنة التي تعرّض لها في عام 1999م، حيث أقامت مخيماً إغاثياً في ألبانيا على الحدود مع كوسوفا، أطلق عليه اسم “مخيم كوكس”، وكان من أهم المخيمات الإغاثية التي قدّمت العون الإغاثي للاجئي كوسوفا وقتذاك، غادرته وقتها وأنا أردد بأن مقولة أفلاطون تنطبق على أحبتنا من الإمارات هنا: “اعمل الخير بصوت هادئ، فغداً يتحدث عملك بصوت مرتفع”.
وأتذكر أنني قلت لمدير البلدية في مدينة “فوشتري”؛ بأنكم طالما كان هذا الحب والامتنان لإخوتنا الجنود من الإمارات الذين أتوكم وساعدوكم، فيا حبذا تخلدون ذكراهم، عبر متحف مميّز وراق وأنيق، يليق بأولئك الأبطال وبما قدموه لكم في مدينتكم الجميلة، وفاء وذكرى منكم لأولئك القدوات الذين تركوا بصمة وأثراً إيجابياً، ومواقف خيرٍ لا تنسى.
تحمّس وقتها مدير البلدية ومن معه للفكرة، ووعد بدراستها مع فريقه، وبالتأكيد أن لبلادنا سبقٌ كبيرٌ في كوسوفا عبر اللجنة السعودية المشتركة لإغاثة شعب كوسوفا، ولمليكنا فهد يرحمه الله الدور السياسي الكبير في مساعدة إخوتنا هؤلاء، وكل منطقة البلقان، رصدت بعض ذلك في الكتاب.
مدير البلدية هذا عندما زرته في مكتبه، رأيت ثلاثة أعلام صغيرة منتصبة في زاوية مكتبه، كانت أعلام كوسوفا وألبانيا والولايات المتحدة، ولم أفوّت الفرصة وقلت له: من الأشياء التي أدهشتني في بلادكم هي رؤية علم الولايات المتحدة في معظم الأماكن التي زرت، خصوصاً الأسواق والمقاهي والمطاعم والمحلات التجارية، إذ يرفرف علمها ذي النجوم بجانب علميكما، فما سرّ ذلك؟ فأبلغني بأن العلم الرسمي المعتمد ذي اللون الأزرق هو علم كوسوفا الرسمي، بيد أنهم ألبان، يعتزّون بقوميتهم الألبانية، وهذا العلم الأحمر الذي بوسطه النسر ذا الرأسين، هو علم ألبانيا الكبرى، وله يعيشون، ليتحقق حلمهم في “ألبانيا الكبرى”، أما علم الولايات المتحدة فبسبب الوفاء لما قدموه لبلاده، وما أنقذوهم منه.
وفعلا، كل من لاقيت من الشعب الكوسوفي، محبٌ للولايات المتحدة، بل وممتن جداً لها، ورأيت بعيني صور كلينتون وبوش الابن، في أسطح المنازل، والمحلات التجارية، وحتى المتدينين منهم، تجد فيهم ذلك الامتنان الكبير للأمريكان، وأتذكر أن أحد مشايخهم كان يقول لي: “كنا بلا أية قوة، وليس لدينا إلا إيماننا بالله تعالى وبعدالة قضيتنا، فيما الصرب يملكون الدبابات والمدرعات والطائرات، وارتكبوا في أهلنا المجازر البشعة التي لا تتصورها، وكنا لا نحوي في مقابلهم إلا بضعة رشاشات خفيفة، ولولا الله ثم تدخل الولايات المتحدة، لأبادنا هؤلاء الصرب بدم بارد، لذلك نحن نمتنّ جدا للأمريكان الذين أنقذونا من الوحشية الصربية، وأنالونا استقلالنا”.
غادرت مدينة “فوشتري” وأنا أدعو الله لشيخ زايد يرحمه الله، ولإخوتنا الجنود الإماراتيين الذين تركوا أجمل الذكرى وأروعها في نفوس أهل تلك المدينة.

 0  0  12
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

بقلم : دلال راضي ربما أصبحنا جميعا عالقين في...


بقلم : عبدالكريم المهنا بين سيدنا معاوية بن...


بقلم : عبدالعزيز قاسم بمجرد أن تطأ قدمك أرض...


بقلم : عبد اللطيف حسن طلحه لأديان عند الله...


القوالب التكميلية للمقالات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 01:27 مساءً الإثنين 10 ديسمبر 2018.