• ×

تتارستان..على خطى ابن فضلان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

image
بقلم : عبدالعزيز قاسم
نهر "الفولغا" متجمّدٌ بالكامل أمامي، أرسلُ بصري إلى آخره الذي لا ينتهي وهو يصافح الأفق الرمادي المكفهر، أزيز صوت الشتاء القارص يجعلني أتجمّد مكاني، وندفُ الثلج البيضاء تتطاير في كل مكان، وأنظر بالكاد بطرف عيني لهاتفي، وقد ارتديت كل المعاطف التي أحضرتها، وتلفّعت بكل شالات الصوف. شاشة الجوال تخبرني أن درجة الحرارة – 11 تحت الصفر، وأن المحسوس بها -15، أزدردُ ريقي الناشف أصلاً وأدعو الله السلامة، بيد أن حماسة شديدة تنتابني وأنا بتلك الحالة المثلجة، وبكل مشاعر الروعة ألجُ –كأنني دبٌّ قطبيٌ من ملابسي الثقيلة التي أرتدي- متحف مدينة "بُلغار" بجمهورية تتارستان في قلب روسيا خلال يوم أمس.
أقفُ بكل انبهارٍ أمام لوحة عظيمة، رُسم فيها المبعوث الأشهر للخليفة العباسي "المقتدر بالله"، أحمد بن فضلان، وهو يناول قيصر البلغار "ألموش بن يلطوار" رسالة الخليفة. كان ذلك في يوم 12 مايو 922 م، الموافق 12 محرم 310 هـ، ليُعلن الإسلام وقتها ديناً رسمياً لمملكة البُلغار هناك، بوسط روسيا والقريبة من سيبريا، وهي ليست دولة بلغاريا اليوم بما يُتوهّم من الاسم، وأُعلن ذلك اليوم عيداً رسمياً يحتفل به التتاريون اليوم كل عام، رغم أن الإسلام تواجد قبل ذلك التاريخ، من وصف ابن فضلان للمساجد التي رآها في الطريق؛ لكن اعلانه رسمياً كان بهذا التاريخ على يد ذلك الملك الصالح،وحسناً فعلوا بهذا المتحف الذي أرّخ لحضور ذلك المبعوث العربي الأشهر، ضمن تأريخهم لتلك المملكة البُلغارية، لأن ما كتبه ابن فضلان من وصف دقيق لعادات تلكم البلاد، ورحلته للدول الاسكندنافية؛ وثيقة تأريخية، يعتبره علماء الاجتماع الغربيون اليوم أحد أهم الوثائق التي تصف حال شعوب أوروبا وتلكم الديار بتلك المرحلة.
بذلك المتحف، وأنا أطالع اللوحة الكبيرة الرائعة التي أرّخت للقاء ابن فضلان مع ملك البُلغار، تداعت للذاكرة مشاعر انبهاري الكامل حال قراءتي عن هاته الشخصية الأسطورية، وأنا في المرحلة الجامعية من عمري عبر رواية "أكلة الموتى" لمايكل كرايتون، وأتذكر أن مترجمها كتب في تقديمه للرواية بأن "هذه بضاعتنا ردّت إلينا"،وانبهرت أكثر وأكثر عندما جسّدت هوليوود تلك الرواية إلى فيلم سينمائي مذهل، باسم "المقاتل الثالث عشر"، حيث قام الممثل المكسيكي العالمي "أنتونيو بانديراس" بدور بن فضلان، ويُحسب للقائمين على الفيلم أنهم لم يحيدوا عن الرواية، وأبقوا خصائص الرجل العربي المتمدّن والنبيل والشجاع كما وردت، ومن بعدهما –الرواية والفيلم- تعلقت بشخصية ابن فضلان، وكتب الله أن أقف اليوم وفي ظروف جوية قاسية، أضفت على مشهد لقائي معه نوعاً من الروح الدرامية، وأجواء الأسطرة.
سأعود في مقالة كاملة للحديث عن هاته الشخصية التي أحببت، ولكن سبب حضوري لجمهورية تتارستان اليوم؛ دعوة من الجامعة الإسلامية في مدينة "قازان" عاصمة الجمهورية، وهي تحتفل بمرور عشرين عاماً على إنشائها، ولا تدرون سعادتي الكبيرة وأنا أقرأ لوحة بارزة على باب مكتبتها، أثناء تجوالنا في أروقتها وفصولها، وباللغة التترية والروسية والانجليزية والعربية: "مكتبة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود يحفظه الله".. قسماً بالله العظيم؛ لمشاعر فرحٍ طاغيةٍ تلبستني، وفخرٌ لا يوصف وزهوّ انتابني، إذ كانت مفاجأة سارة وأنا أرى اسم مليكنا الحبيب هنا،
وبادرت بسؤال المسؤولين في الجامعة عنها، وقالوا بأن مليكنا الراحل -يرحمه الله- أهدى لهم هذه المكتبة عبر السفارة السعودية في موسكو، ونشطتُ بعدها في الجولة، وسرت الدماء في عروقي، بعدما كاد البرد أن يجمّدني.
في هذه الجامعة التي أتحدث، كان لبلادي وعبر رابطة العالم الاسلامي حضورٌ مميزٌ أيضاً، تمتنّ لها الجامعة الاسلامية هاته، إذ ثمة معهد للقرآن الكريم فيها، أنشأته الهيئة العالمية للكتاب والسنة التابعة للرابطة، وتقوم برعايته من 15 عاماً، بكل اعتدال ومنهج وسطي، ودعوت والله خالصاً لكل من ساهم في هذا الخير الذي يعكس وجه بلادنا الوضيء في كل العالم الإسلامي،ولا تعرفون كيف كانت فرحة المسلمين هنا بالمصافحة التأريخية بين أميرنا الشاب محمد بن سلمان مع الرئيس الروسي بوتين في قمة الأرجنتين الأخيرة، حيث كان لها صدى كبيرا، يحدثني عنها معظم من لاقيت من المسلمين هنا، وقد استبشروا بها كثيراً، في أمانيهم وتشوّفهم لانفتاح بلادنا على روسيا.
وتستغربون أن المسلمين هنا في هذه الأرض يعيشون اليوم أزهى مراحلهم من أكثر من خمسة قرون كاملات مذ دخل الديكتاتور الروسي إيفان الرهيب في القرن الخامس عشر، وأحرق مدينة قازان، التي كانت حاضرة إسلامية تعجّ بالعلم والعلماء والمعارف والعلوم، ودمّرها وقتل علماءها وشرّد أهلها أيدي سبأ، وبالغ القياصرة الروس الذين تعاقبوا بعد ذلك الديكتاتور بكل ألوان التنكيل وأشكال التعذيب في تنصير وتشريد المسلمين، وأتت الشيوعية بعد ذلك، فكانت ضغثاً على إبالة، وحاربوا الأديان جميعاً،
ويخبرني غير واحد من النخب العلمائية هنا، بأنهم يعيشون اليوم كمسلمين وعلماء ودعاة مرحلة من أزهى مراحلهم خلال خمسة قرون، حيث يتمتّعون بكثير من الحقوق، بل وترعى الدولة أنشطتهم بكل حماسة، وبالطبع روسيا تحارب المتطرفين والمتشددين ودعاة الانفصال في كل الاتحاد الروسي، إنما الحديث عن المسلمين المعتدلين وعوامهم، ورأيت بنفسي الرئيس التتري "رستم مينيخانوف" يحضر بنفسه احتفالية الجامعة الاسلامية، حفاوة بها، ودعماً لأنشطتها، وألقى كلمة ضافية رائعة فيها.
في زيارتي هاته لمدينة بن فضلان "بُلغار"؛ تشرفت بالمرور على الأكاديمية الاسلامية هناك، والتي أمر ببنائها الرئيس فلاديمير بوتين، ورأيت المسلمين في تتارستان يفاخرون بها على عموم جمهوريات الاتحاد الروسي، وحقّ لهم، فالأكاديمية صرحٌ علميٌ شرعيٌ مميّز في قلب روسيا، وبمبنى حديثٍ فخمٍ، تقدم لطلابها درجات الماجستير والدكتوراه عبر علماء من الأزهر وغيرهم،
تزيّنه كلمات بوتين الذي قاله في خطابه لهم: "من المهم أن يتربى الشباب المسلمون على القيم الإسلامية التقليدية، بحيث تُحبط محاولات فرض مواقف إيدلوجية غريبة لنا لا علاقة لها بالإسلام الحقيقي.
أشدّد على أن الدولة ستواصل المساعدة في إعادة بناء المدارس الدينية الإسلامية ونظامها التعليمي الديني. وكما تعلمون فقد أيّدت اقتراح قيادة تتارستان والادارات الدينية الإسلامية الرائدة للمسلمين بإنشاء أكاديمية بلغار الإسلامية، وهكذا سيتم إحياء المركز الروحي والعلمي العريق للمسلمين الروس".
جمهورية تتارستان تمثل مركز التسامح هناك، وبطريرك تتارستان "فيوفان" حضر بقلنسوته الكبيرة وصليبه في الاحتفالية وألقى كلمة وطنية رائعة، وهنأ الجامعة بكل حبّ، وجلس جنباً إلى جنب مع مفتي تتارستان، وعندما تكلمت معه، وعرف أنني من السعودية، بادرني مشيداً بالروح الإسلامية المنفتحة التي يراها اليوم في بلادي، وأخبرني بأنه التقى أمين عام رابطة العالم الاسلامي في مؤتمر "تحالف الأديان من أجل أمن المجتمعات" بالإمارات مؤخراً،
وعبرّ عن سروره البالغ لروح التسامح التي عليها السعودية اليوم، مشيداً بشخصية د. محمد العيسى ودماثة خلقه وانفتاحه، وأنه قال للمؤتمرين هناك بأنكم إن أردتم التسامح الحقيقي فتعالوا شاهدوه في تتارستان.
وكنت أظن أن مسألة التسامح التي يتحدث بها البطريرك "فيوفان" نوعٌ من الدعاية، بيد أنني اكتشفت بعد تجوالي بهذه الأرض أنها جزءٌ أصيلٌ في ثقافتهم، إذ أن نسبة المسلمين تقريبا 52%، مقابل 37% للمسيحيين، والمسيحيون يقومون بتهنئة المسلمين في أعيادهم، ويصنعون لهم الطعام ويقدمونه لهم، ويشاركونهم الأعياد الإسلامية بالفعل، بل بعضهم يمتنع عن الأكل في رمضان مراعاة للمسلمين، والعكس كذلك صحيح، إذ يقدم المسلمون لهم التهنئة أيام أعيادهم.
كان ثمة سؤال شغلني حالما وصلت لهاته الديار، ورأيت سُحن القوم الشقراء وطولهم الفارع وأعينهم الواسعة الجميلة: هل أهل تتارستان اليوم هم أحفاد تتار بغداد المتوحشين؟. التقيت علماء ونخب وكنت أطرح عليهم هذا السؤال، فخرجت بما أريد، وسأكتبها في مقالاتي المقبلة إن شاء الله.
عوداً لأحمد بن فضلان: احرصوا على مشاهدة فيلم: "المحارب الثالث عشر"؛ لتعذروني في هيامي بهاته الشخصية العربية الفريدة.

 0  0  32
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

بقلم : سميرة سمران العتيبي إحدى زميلاتي في...


بقلم : عبد اللطيف طلحه في تحدٍ سافرٍ لمشاعرنا...


بقلم: دلال راضي لغتنا العربية تعد من أكثر...


بقلم : دلال راضي من المؤكد أن النقد كفن أدبي...


القوالب التكميلية للمقالات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 08:59 صباحًا الخميس 17 يناير 2019.